الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
170
تفسير روح البيان
يُخْلِفَ اللَّهُ الأخلاف نقض العهد عَهْدَهُ الذي عهده إليكم يعنى ينجز وعده البتة * قال الامام أبو منصور لهذان وجهان أحدهما هل عندكم خبر عن اللّه تعالى انكم لا تعذبون ابدا لكن أياما معدودة فإن كان لكم هذا فهو لا يخلف عهده ووعده والثاني ألكم عند اللّه اعمال صالحة ووعدكم بها الجنة فهو لا يخلف وعده أَمْ تَقُولُونَ مفترين عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ وقوعه وأم معادلة لهمزة الاستفهام بمعنى أي الامرين المتساويين كائن على سبيل التقرير لان العلم واقع بكون أحدهما تلخيصه ان كان لكم عنده عهد فلا ينقض ولكنكم تخرصون وتكذبون روى أنهم إذا مضت تلك المدة عليهم في النار يقول لهم خزنة جهنم يا أعداء اللّه ذهب الاجل وبقي الأبد فأيقنوا بالخلود بَلى اثبات لما بعد النفي فهو جواب النفي ونعم جواب الإيجاب اى قلتم لن تمسنا النار سوى الأيام المعدودة بلى تمسكم ابدا بدليل قوله هُمْ فِيها خالِدُونَ وبين ذلك بالشرط والجزاء وهما مَنْ فهو رفع مبتدأ بمعنى الشرط ولذلك دخلت الفاء في خبره وان كان جوابا للشرط كَسَبَ الكسب استجلاب النفع واستعماله في استجلاب الضر كالسيئة على سبيل التهكم سَيِّئَةً من السيئات يعنى كبيرة من الكبائر وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ تلك واستولت عليه من جميع جوانبه من قلبه ولسانه ويده كما يحيط العدو وهذا انما يتحقق في الكافر ولذلك فسر السلف السيئة بالكفر فَأُولئِكَ الموصوفون بما ذكر من كسب السيئات وإحاطة خطاياهم بهم أشير إليهم بعنوان الجمعية مراعاة لجانب المعنى في كلمة من بعد مراعاة جانب اللفظ في الضمائر الثلاثة أَصْحابُ النَّارِ اى ملازموها في الآخرة حسب ملازمتهم في الدنيا لما يستوجبها من الأسباب التي من جملتها ما هم عليه من تكذيب آيات اللّه وتحريف كلامه والافتراء عليه وغير ذلك وهو خبر أولئك والجملة خبر للمبتدأ هُمْ فِيها خالِدُونَ دائمون فأنى لهم التفضى منها بعد سبعة أيام أو أربعين كما زعموا والجملة في حيز النصب على الحالية لورود التصريح به في قوله أَصْحابُ النَّارِ خالِدِينَ فِيها ولا حجة في الآية على خلود صاحب الكبيرة لما عرفت من اختصاصها بالكافر وَالَّذِينَ آمَنُوا اى صدقوا باللّه تعالى ومحمد عليه السلام بقلوبهم وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ اى أدوا الفرائض وانتهوا عن المعاصي أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ لا يموتون ولا يخرجون منها ابدا جرت السنة الإلهية على شفع الوعد بالوعيد مراعاة لما تقتضيه الحكمة في ارشاد العباد من الترغيب تارة والترهيب أخرى والتبشير مرة والانذار أخرى فان باللطف والقهر يترقى الإنسان إلى الكمال ويفوز بجنة الجمال والجلال - حكى - انه كان لشيخ مريد فقال له يوما لو رأيت أبا يزيد كان خيرا لك من شغلك فقال كيف يكون هو خيرا وهو مخلوق ويتجلى الخالق كل يوم سبعين مرة ثم بالآخرة ذهب مع شيخه إلى أبى يزيد البسطامي فقالت امرأته لا تطلبوه فهو امرؤ ذهب للحطب فوقفا في طريقه فإذا هو حمل الحطب على أسد عظيم وبيده حية يضرب الأسد بها في بعض الأوقات فلما رآه المريد مات وقال أبو يزيد لشيخه قدر بيت مريدك باللطف ولم ترشده إلى طريق القهر فلم يتحمل لما رآني فلا تفعل بعد اليوم وأرهم القهر أيضا * قال حضرة الشيخ الشهير بافتاده أفندي ان أبا يزيد برؤية القهر واللطف من الطريق كان مظهرا لتجلى الذات بخلاف المريد فلما رآه فيه لم يتحمل : قال في المثنوى